علي بن محمد البغدادي الماوردي
46
النكت والعيون تفسير الماوردى
فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ يعني الملك . فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وإنما توقف عن الخروج مع طول حبسه ليظهر للملك عذره قبل حضوره فلا يراه مذنبا ولا خائنا « 85 » . فروى أبو الزناد عن أبي هريرة قال « 86 » : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « يرحم اللّه يوسف إنه كان ذا أناة لو كنت أنا المحبوس ثم أرسل لخرجت سريعا » . وفي سؤاله عن النسوة اللاتي قطعن أيديهن دون امرأة العزيز ثلاثة أوجه : أحدها : ان في سؤاله عنها ظنّة ربما صار بها متهما . والثاني : صيانة لها لأنها زوج الملك فلم يتبذلها بالذكر . الثالث : أنه أرادهن دونها لأنهن الشاهدات له عليها . إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ فيه وجهان : أحدهما : معناه إن اللّه بكيدهن عليم . الثاني : أن سيدي الذي هو العزيز بكيدهن عليم . قوله عزّ وجل : قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ فهذا سؤال الملك قد تضمن تنزيه يوسف لما تخيله من صدقه لطفا من اللّه تعالى به حتى لا تسرع واحدة منهن إلى التكذب عليه . وفي قوله : راوَدْتُنَّ وإن كانت المراودة من إحداهن وجهان : أحدهما : أن المراودة كانت من امرأة العزيز وحدها فجمعهن في الخطاب وإن توجه إليها دونهن احتشاما لها . الثاني : أن المراودة كانت من كل واحدة منهن . قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ فشهدن له بالبراءة من السوء على علمهن لأنها شهادة على نفي ، ولو كانت شهادتهن على إثبات لشهدن قطعا ، وهكذا
--> ( 85 ) إنها لعظمة من نبي اللّه يوسف عليه الصلاة والسّلام إذا دلت فإنما تدل على عزة المؤمن الواثق بربه تبارك وتعالى وتدل على اعتزازه بإيمانه وقوة جأشه . ( 86 ) رواه الطبري ( 16 / 134 ) واللفظ له وفي سنده رجل مجهول ويغني عن هذا الضعيف ما رواه البخاري ( 8 / 366 ) والطبري ( 16 / 135 ) ومسلم ( 2 / 183 ) 15 / 322 ، 183 ، ولفظه عند الطبري « لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي » . ( * ) وفي نسخة للمخطوطة : عن الأعرج عن أبي هريرة .